علي بن أحمد المهائمي

424

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

المتعارف ( متقابلتان ) ، فينبغي أن يعتبر ما يناسب هذا التقابل في يدي اللّه تعالى ، ( وإن كانت كلتا يديه يمينا ) ، كما صحّ في الخبر : « أنه يوضع للمقسطين منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين » « 1 » . وذلك للإشارة إلى أنه لا تفاوت في تأثير يديه مثل التفاوت في تأثير يدي الإنسان ؛ فإن يمينه أقوى من شماله غالبا ، ( فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ) في حق اللّه تعالى ، ( وإن لم يكن ) ذلك الفرقان ( إلا كونهما اثنين ) ؛ لأنه موجب للتغاير الذي هو عين الفرقان ، لكن حملنا هذا الفرقان على التقابل المفهوم من اليدين المتعارفتين ؛ فلذلك قال : ( أعني يدين ) سيما إذا فرضنا مباشرين لطينة آدم الشاملة على الطبائع المتقابلة ؛ ( لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها ) لما قرر من وجوب التناسب بين الفاعل والقابل ، ( وهي ) أي : الطبيعة ( متقابلة ) ضرورة تقابل الحرارة للبرودة ، وتقابل الرطوبة لليبوسة ، والأولان مبدأ الفعل ، والآخران مبدأ الانفعال ؛ فبيّن مجموعهما تقابل آخر . ( فجاء باليدين ) للتأثير فيهما ؛ ليؤثر كل اسم بحسب طبيعته في عصر يناسب طبيعته ، ويؤثر مجموعهما باعتبار ما فيها من التقابل في مجموع طبائعه المتقابلة لإكمال هذا المعنى فيه ؛ فلذلك كان من عنايته بهذا النوع الإنساني . [ ولمّا أوجده باليدين سمّاه بشرا للمباشرة اللائقة بذلك الجناب باليدين المضافتين إليه ، وجعل ذلك من عنايته بهذا النّوع الإنسانيّ ؛ فقال لمن أبى عن السّجود له : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ [ ص : 75 ] ، على من هو مثلك يعني عنصريّا أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] ، عن العنصر ، ولست كذلك ، ويعنى بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النّوريّة عنصريّا ، وإن كان طبيعيّا ، فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصريّة إلّا بكونه بشرا من طين ؛ فهو أفضل نوع من كلّ ما خلق من العناصر من غير مباشرة ، فالإنسان في الرّتبة فوق الملائكة الأرضيّة والسّماويّة والملائكة العالون خير من هذا النّوع الإنساني بالنّص الإلهيّ ؛ فمن أراد أن يعرف النّفس الإلهيّ فليعرف العالم ] . كما أشار إليه بقوله : ( ولما أوجده باليدين سماه بشرا ) لا لما يتوهم من كونه من ظاهر الأرض وبشرته بل ( للمباشرة اللائقة بذلك الجناب ) من التأثير بلا واسطة الأسباب السماوية التي هي متوسطة بينه تعالى وبين الحوادث الزمانية ( باليدين المضافين إليه ) ؛ فلا يكونان من الجوارح ، ولا مباشرتهما مباشرة الأجسام ؛ ولذلك ( جعل ذلك ) الإيجاد لكونه

--> ( 1 ) رواه ابن بطة في « الإبانة الكبرى » ( 6 / 257 ) ، والبيهقي في « الأسماء والصفات » ( 2 / 270 ) .